الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

363

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فعل لا محالة منه ، ولا مطمع لأحد في صرفه عنه ، أكده بالقسم ، قال بلعاء بن قيس : وفارس في غمار الموت منغمس * إذا تألّى على مكروهة صدقا ( أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه سميت الحرب كريهة ) فصار نطقهم باليمين مؤذنا بالغرم ، وكثر ذلك في ألسنتهم في أغراض التأكيد ونحوه ، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف ، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر ، فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثيّر : قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الأليّة برّت فأشبهه جريان الحلف على اللسان اللغو من الكلام . وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية ، فذهب الجمهور إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان ، لم يقصد المتكلم بها الحلف ، ولكنها جرت مجرى التأكيد أو التنبيه ، كقول العرب : لا واللّه ، وبلى واللّه . وقول القائل : واللّه لقد سمعت من فلان كلاما عجبا ، وغير هذا ليس بلغو ، وهذا قول عائشة ، رواه عنها في « الموطأ » و « الصّحاح » ، وإليه ذهب الشعبي ، وأبو قلابة ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو صالح ، وأخذ به الشافعي ، والحجة له أن اللّه قد جعل اللغو قسيما للتي كسبها القلب في هذه الآية ، وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما [ المائدة : 89 ] فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب ؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبيّن ، فيحمل عليه مجمل بِما عَقَّدْتُمُ ، فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها إلى الحلف ، وهي التي تجري على اللسان دون قصد ، وعليه فمعنى نفي المؤاخذة نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة ؛ لأن نفي الفعل يعم ، فاليمين التي لا قصد فيها لا إثم ولا كفارة عليها ، وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم بدليل آية المائدة ؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [ المائدة : 89 ] فيكون في الغموس ، وفي يمين التعليق ، وفي اليمين على الظن ، ثم يتبين خلافه ، الكفارة في جميع ذلك . وقال مالك : « لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه كذلك ثم يتبيّن خلاف ظنه » قال في « الموطأ » : « وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك » وهو مروي في غير « الموطأ » ، عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول وابن أبي نجيح . ووجهه من الآية : أن اللّه تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين ، ولا تكون المؤاخذة